محمد عزة دروزة

10

التفسير الحديث

إلَّا كثرتاه فمن هلك من بني آدم ومن هلك من بني إبليس ويأجوج ومأجوج ، قال : أبشروا وأما أنتم في الناس إلَّا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في جناح الدابة » . وفي بعض صيغ الروايات التي يرويها الطبري ، ذكر أن الآيتين نزلتا حينئذ حيث يقتضي هذا إذا صحّت الرواية أن تكون الآيتان مدنيتين . غير أن الرواية التي أوردناها لا تذكر ذلك صراحة وكل ما ذكرته أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم نادى بهذه الآية . وفي بعض صيغ الروايات ذكر أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قرأها عليهم وليس فيها خبر نزولها حينئذ . وشئ من الرواية التي أوردناها رواه الشيخان في سياق تفسير الآيتين ، ولكن ليس في نصّهما أنهما نزلتا حينئذ ، وهذا هو نصّ حديث الشيخين عن أبي سعيد عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « يقول اللَّه تعالى يا آدم ، فيقول : لبّيك وسعديك والخير بين يديك ، فيقول : أخرج بعث النّار ، قال : وما بعث النار ؟ قال : من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين . فعنده يشيب الصغير ، وتضع كلّ ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللَّه شديد . قالوا : يا رسول اللَّه وأيّنا ذلك الواحد ؟ قال : أبشروا فإنّ منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا . ثم قال : والذي نفسي بيده ، إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبّرنا ، فقال : أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة ، فكبرنا ، فقال : أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ، فكبّرنا ، فقال : ما أنتم في الناس إلَّا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض ، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود « ( 1 ) . وأسلوب الآيتين من الأساليب المكية ، وصلتهما قويّة بالآيات التالية لهما التي تذكر البعث وارتياب الناس وجدلهم فيه ، وتبرهن على قدرة اللَّه تعالى عليه حتى ليصحّ أن يقال إنهما مقدمة لما بعدهما . مما يجعلنا نستبعد نزولهما في العهد المدني ، ونرجّح نزولهما في العهد المكي ، ونفسّر ما جاء في الروايات بأن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قرأها عليهم في أثناء الغزوة ، وفي موقف أو ظرف شاءت حكمته أن يذكر أصحابه بهول يوم القيامة ويعظهم ويبشرهم ويطمئنهم في الوقت نفسه فالتبس الأمر على الرواة . ومع واجب الإيمان بما يصحّ عن رسول اللَّه من خبر المشاهد

--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 159 .